لقاء يسوع بالمرأة الكنعانيّة

 

لقاء يسوع بالمرأة الكنعانيّة

 

عندما نُطالع أو نسمَع كلمة الربِّ، وخصوصًا، المقاطع الإنجيليَّة التي تعرضها علينا الكنيسة خلال الأزمنة اللِّيتورجيَّة، لا نتوقَّف عند المعرفة المجرَّدة لكي نميِّز ما يمكن عمله وما هو ممنوع علينا كمسيحيِّين، إنَّما نَنْشَدُّ إلى آفاق لاهوتيَّة وحياتيَّة تساعدَنا على تنمية حِسِّنا الإنسانيِّ وتطويره "لكي يكون فيما بيننا الشّعور الذي هو أيضًا في المسيح يسوع" (فيل 2/ 5)، وأن نُدرك، كبولس الرَّسول، تفهُّمنا سرَّ المسيح، "هذا السرُّ الذي لم يُطلَع عليه بنو البشر في القرون الماضية، وكُشِفَ الآن في الرّوح إلى رسله وأنبيائه القدِّيسيِّن" (أف 3/ 4 - 5). بهذا نُعطي معنًى لوجودِنا المسيحيِّ وتتَّضِح هويَّتنا كأخوةٍ للمسيح وأبناء لله. إذا لم تقدْنا كلمة الله إلى هذا البُعد، تكون قد زُرِعَت في أرض صخريَّة يابسة وعقيمة.

 

بروح الإنفتاح على سرِّ المسيح نقرأ لقاءَه بالمرأة الكنعانيَّة في نواحي صور وصيدا التي كانت تُعَدُّ من بين المدن الوثنيَّة. في مسار إنجيل متَّى، وقبل لقاء الكنعانيَّة مباشرة، نقرأ عن لقاء يسوع مع بعض الكتبة والفرِّيسيِّين من أورشليم، في مدينة جنَّاسرت على شاطئ بُحيرة طبريَّة، حيث ختم لقاءَه معَهم بقوله، وعلى لسان النبيِّ أشعيا: "هذا الشَّعب يكرِّمني بشفتَيه وأمَّا قلبه فبعيد منِّي" (متَّى 15/ 8؛ أش 29/ 13). أمَّا لقاء يسوع مع المرأة الكنعانيَّة فكان مختلفًا ومعبِّرًا عن انفتاح الله على كلِّ مخلوقاته، من دون تمييز بين وثنيٍّ ويهوديٍّ أو أيِّ انتماءٍ آخر. فهويَّة المؤمن لا تتَّضِح ولا تُقرأ بثقافة المظاهر، وإنَّما بعمق الأحاسيس الإنسانيَّة الشفَّافة والصَّادقة.

 

أمَّا المشهد الإنجيليُّ الذي نحن بصدده فيأخذ طابعًا استفزازيًّا بسبب موقف يسوع من المرأة الكنعانيَّة، فهي تستغيث، ويسوع لم يلتفت ولم يُجب بكلمة! إنَّها اللاّمبالاة بعينها. من جهَّة ثانية يبدو لنا يسوع في غاية العنصريَّة. "لم أُرسَل إلاَّ إلى الخراف الضَّالَّة من بيت إسرائيل". وأخيرًا، وعلى الرُّغم من مواقفه الحادَّة مع الكتبة والفرِّيسيِّين، إلاَّ أنَّه لم يُهِن أحدًا منهم، بينما نجد إهانةً واضحةً تُجاه تلك الأُمِّ الكنعانيَّة عندما شبَّهها "بصغار الكلاب".

 

الخاتمة السَّعيدة تجعلنا نعيد النّظر بحكمنا على كلِّ ما ذُكِرَ أعلاه. المرأة تستغيثُ ويسوع لم يُجبها: هناك العديد من الآيات التي نقرأها في الكتاب المقدَّس، وخصوصًا كتب الأنبياء والمزامير، حيث أنَّ المؤمن يُنادي الربَّ ويرجوه بأن يسمَع له، كما نقرأ في المزمور: "استمِع يا ربُّ إلى صلاتي وأصِغ إلى صراخي ولا تسكُت عن دموعي" (مز 39/ 13). الإلحاح في الصَّلاة هو دليل على الإيمان وعلى "فقر الرّوح"، ممَّا يُشير إلى تواضع الإنسان من خلال شعوره بالحاجة الدّائمة إلى الله. ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ عدَمَ استجابة الربِّ لندائنا "بحسب إرادتنا" لا يعني أنَّه يصمُّ أُذنيه، فإنَّه يعلم كيف ومتى يستجيب لصالح خلاصنا.

 

يسوع شخصٌ عنصريٌّ؟ بالطّبع لا، فإنجيل متَّى يروي أعجوبة شفاء خادِم قائد المئة (متَّى 8/ 5 - 13)، وهذا القائد وثنيٌّ، فلو كان يسوع عنصريًّا لما كان اهتمَّ لأمره، ولا اهتمَّ لأمر السّامريَّة. "لا يوجَد فرقٌ بين اليهوديِّ واليونانيِّ، فالربُّ ربُّهم جميعًا يجود على جميع الذين يدعونه. فكلُّ من يدعو باسم الربِّ ينال الخلاص" (روم 10/ 12 - 13).

 

أمَّا بخصوص "الإهانة" التي وجَّهها للمرأة، فما كانت إلاَّ أداةً ليدلَّ يسوع على أهميَّة الإيمان النّابع من قلبٍ صادق، ولكي يُلغي التَّمييز بين اليهوديِّ والوثنيِّ. إعتراف المرأة بأنَّها ليست يهوديَّة، هو إعترافٌ بمحدوديَّتها، بكيانها المُختلف وبحقيقتها كما هي، فهذا ما يُساعد على بناء العلاقة التي على أساسها يتمُّ استحقاق النِّعمة. لم يكُن في صرخة الأُمِّ الكنعانيَّة أيُّ تحفُّظٍ أو خَفَر، إنَّها صرخة اليأس والأمل معًا. إنَّها صرخة الإيمان الصّادق والعميق من أجل إنقاذ حياة ابنتها. قرَّرَت تلك المرأة - الأُمُّ أن تخرق كلَّ حواجز اللَّيقات والتّقاليد لتجتاز الحدود نحو الملكوت الذي يجسِّده يسوع المسيح. لم تأبه لكونها وثنيَّة، ولم تأبه لكونها امرأة، لأنَّ يسوع خلَّصها من براثن الشّريعة القاسية ليعطيها حقَّ المساواة، وهو حقٌّ سماويٌّ. بذلك تكون الكنعانيَّة كشفت عن سرِّ شموليَّة الخلاص.

 

لم يتمكَّن يسوع من مُقاومة "جنون" تلك المرأة - الأُمِّ التي قرَّرَت أن تشتري شفاءَ ابنتها بدموعها وألمَها وكرامتها. تلك هي صورة يسوع "الذي لم يحسب مساواته لله غنيمة" (فيل 2/ 6 - 8) لينقذنا من مرض الخطيئة. فهو دفعَ دموعه وآلامه ومساواته لله من أجل كلِّ إنسانٍ من دون استثناء.

 

الصَّلاة هي طلب نستخرجه من عمق حاجاتنا ونعمِّده بالإيمان لنتواصل مع الله من دون قناع، فهو يقبلنا بضعفنا وبعاهاتنا، ولا يدعنا نحكم على ذاتنا بغربة هي من نسج خوفنا. تلك المرأة الوثنيَّة، الأُمُّ الكنعانيَّة، تجاوزَت خوفها ولم تحسب نفسَها غريبة. أتت بما لدَيها من دون مراوغة لترفع قضيَّتها إلى سيِّد الرَّحمة الذي استجابَ طلبَها وبارَكَها لتمجِّد الله في حياتها. بإيماننا ورجائنا نُسقط كلَّ الحواجز لنلتقي مع إخوتنا ونعكس لهم محبَّة الله التي تقودنا بيقين إلى الملكوت.  

 

الأب مارون أبي نادر