مار روكز عاش الشهادة

 

مار روكز عاش الشهادة

 

في الأسبوع العاشر من زمن العنصرة، زمن الرّوح القدس، وزمن الكنيسة التي تعيشُ بالرّوح القدس سرَّ المسيح الحيِّ الفادي، تُعَيِّدُ الكنيسةُ اليومَ للقدِّيس روكز الذي، على مثال الرّسلِ الاثني عشر، عاشَ الشّهادة في الكنيسة بحضورِ الرّوح القدس الذي يُعطي ثمارُه لكلِّ مسيحيٍّ ثابتٍ في إيمانه.

فالثّباتُ في الإيمان من جهَّة، والسَّهرُ والأمانةُ من جهَّةٍ أُخرى، هما محورُ قراءات اليوم في الرِّسالة إلى العبرانيِّين (عب 11/ 1 - 7) والإنجيل لوقا (لو 12/ 35 - 44).

تقعُ قراءةُ رسالة اليوم: (عب 11/ 1 - 7)، في القسم الرابع من الرِّسالة إلى العبرانيِّين التي تحملُ عنوان الإيمان والثّبات على مثال الأجداد، والذي يُقسَمُ إلى قسمَين: تحديد الإيمان وأمثلته الأولى، وإيمان الآباء الأقدمين حتَّى نوح.

 

تحديدُ الإيمان وأمثلته الأولى

الإيمانُ يقومُ على العلاقة بالله ورجاءِ الحياة الأبديَّة غير المنظورة (آية 1). لهذا فإنَّ كاتب الرّسالة يستعرضُ شخصيَّاتٍ من كتُبِ العهد القديم تكونُ أمثلةً عن الإيمان. (آية 2).

 

إيمانُ الآباء الأقدمين حتَّى نوح

اللهُ خلق العالمين من العدم بكلمته الأزليَّة يسوع المسيح "كلمةُ الله المُتجسِّد"، وبه جدَّدَ الخليقة وخلَّصها بعدَ أَنْ فسُدَتْ (آية 3). المثلُ الأوَّلُ عن إيمان الآباء الأقدمين هو عن هابيل البارّ. فالرّسالةُ تحثُّ المسيحيِّين المضطهدين للتَّشبُّه برجل الإيمان هابيل، وتقديم ذواتهم كذبيحة السيِّدِ المسيح حتَّى ولو كانوا مرفوضين، وليَثقوا بأنَّ صوتهم سيبقى صارخًا يشهدُ للحقِّ (آية 4).

المثلُ الثاني عن الآباء في الإيمان هو أخنوخ الذي أَخذهُ اللهُ إلى السَّماء ونجا من الموت. لذلك فإنَّ حياته حمَلَتْ صورة كلِّ مؤمنٍ بارٍّ وثابتٍ في أمانتِه لله (آية 5).

 

لا يُمكنُ إرضاءُ اللهِ بغيرِ الإيمان الذي بدوره يدفعُنا للإعتراف بوجود الله والإقتراب منه. فاللهُ يكافئُ الذين يطلبونه، وعلى مثال أخنوخ فالمؤمنُ يُنقلُ إلى فوق، للتَّمتُّعِ بالحياة السَّماويَّة مع الربِّ (آية 6).

 

أمَّا المثل الثّالث عن الآباء فهو عن نوح الذي ركَّز إيمانه على الثّقة بالله التي أدَّتْ للخلاصِ وصارَ وارثًا للبرِّ. فالسَّفينةُ التي بناها نوحُ صارَتْ أداةَ خلاصٍ ودينونة في آنٍ معًا. والسّفينةُ ترمُزُ أيضًا إلى الكنيسة علامة العبور من العهد القديم إلى الحياة الجديدة. (آية 7).

 

أمَّا إنجيل: (لو 12/ 35 - 44) الذي يحملُ عنوان: "السَّهرُ ومثلُ الوكيل الأمين". يقعُ في القسم الذي يتكلَّمُ عَنْ صعودِ يسوع إلى أورشليم. وفي هذا الإنجيل، يجمعُ لوقا عدَّة أمثالٍ يدعو فيها التّلاميذ والمؤمنين إلى السَّهرِ في انتظار عودة الربِّ، ويُثني على أمانة الوكيل الذي يُقيمُه سيِّدُه على خدمة الآخرين.

 

قبل البدءِ بالعمل، لا بُدَّ مِنْ رفعِ ذيل الرِّداء إلى الزنَّار، وهذا هو لباسُ المسافر الذي يتَّخِذُه اليهودُ للإحتفال بالفصح (خر 12/ 11)، وبه ينتظرون مجيء المسيح. فالأوساطُ ترمزُ إلى الأجساد العفيفة الطّاهرة، والسُّرجُ ترمُز إلى الأرواحِ المُشتعلة بالأعمال الصّالحة وحبِّ الله (آية 35).

 

إنَّ المؤمن يلتزمُ بالعمل مِن خلال اليقظة والسَّهر، وينتظرُ رجوعَ سيِّده عريسًا للنَّفس. وهذا الرّجوعُ يرمزُ أيضًا إلى المجيء الثاني للربِّ من العرسِ السَّماويِّ، والذي يقرعُ الباب للقيامة، فيفتحُ له المؤمنون ليدخلَ العريسُ ويَفرحوا معه بالعرس الأبديِّ (آية 36).

 

وطوبى للمؤمنين المُتيقِّظين لأنَّ العريس سيشدُّ وسطَهُ ويدورُ يخدمُ عروسَه (آية 37).

 

والطوبى أيضًا للذين، إذا جاءَ سيِّدُهم، وكانوا أطفالاً أو كبارًا أو شيوخًا، فيجدُهُم ساهرين (آية 38).

 

إنَّ مجيء الربِّ لا يمكنُ معرفتُه، لذا على المؤمن أن يكون على استعدادٍ دائمٍ للقاء الربِّ (آية 39 - 40).

 

فالطوبى للمؤمن الوكيل الأمين الذي متى عادَ سيِّدُه، وجدَهُ أمينًا في مسؤوليَّتِه؛ فالربُّ سيقيمُه على جميع ما يملكُ ويورثُه الحياة الأبديَّة (آية 43 - 44).

 

كما أنَّه عند اقتراب موعدِ الإحتفال بعيدِ ميلادنا، نتوقَّعُ تلقِّي الهدايا، ومع هذا نتفاجأُ ببعض الهدايا. فالإيمانُ أيضًا هو الإقتناعُ بأنَّنا سننالُ المكافأة من الله ومع هذا سوف نرى مفاجآت جديدة. الإيمانُ مقرونٌ بكلمتَيْن: الثّقة واليقين. لذلك، علينا أنْ نؤمن بأنَّ الله صادقٌ في أقواله ووُعودِه. نحنُ نؤمنُ بالله الذي، بكلمتِه، خلق الكون من العدم، فهل نُصغي ونستجيب له عندما يتكلَّم معنا؟ لا يكفي الإيمان بوجودِ الله، بل يجبُ الدّخولُ بعلاقةٍ شخصيَّةٍ معه، فمَنْ يطلُبِ اللهَ بإيمانٍ ينلِ المكافأة. لذا، علينا تشجيعُ بعضنا البعض على أنْ نبقى أُمناءَ في سَعْينا نحو الحقِّ. اختبرَ نوحٌ عُمْقَ العلاقة مع اللهِ الذي أَمَرَهُ أنْ يَبنيَ سفينةً على اليابسة، وكان ذلك غيرَ منطقيٍّ بنظرِ الآخرين الذين اعتبروا هذا العمل غريبًا. أمَّا هو فأطاعَ كلمة الله الذي منحَهُ القوَّة اللاّزمة لتنفيذ الأمر.

قال الربُّ يسوعُ إنَّه سيتركُ العالم ثمَّ يجيءُ ثانيةً. إنَّه يريدُنا أنْ نكون مستعدِّين لمجيئه الثّاني من خلال الإيمان والثّقة به، والإجتهادِ بالحياة، والتَّشبُّه به بالأمانة حتَّى الشّهادة. إنَّ نوعيَّة حياتنا بعد الموت ستكونُ انعكاسًا لما فعلناهُ على الأرض، ولكن، ستكونُ المكافأةُ أعظمَ ممَّا نتخيَّل.

 

والقدّيسُ روكز الذي عند ولادته ظهرَ صليبٌ أحمرُ على صدرِه رمزًا لجهادِه المُسبق لأجلِ المسيح، عاشَ كالسّامريِّ الصّالح يهتمُّ بالمرضى إلى أن اهتمَّ به اللهُ خلال مرضِه، وأرسلَ له كلبًا ليأتيَهُ برغيفِ خُبزٍ كُلَّ يوم. وبقيَ ثابتًا في إيمانه وأمينًا لدعوتِه على الرُّغمِ من العذابات التي عاشها. فبشفاعته، نطلبُ من الله أنْ يُثبِّتنا في الإيمان، نحنُ الذين وُسِمنا بالصَّليب المقدَّسِ في العِماد، وأنْ يُعطيَنا النِّعمَة لكي نبقى ساهرين وأمينين في خدمَتِنا، مُنتظرين عودَتَهُ لكي نلقاهُ بالفرحِ ونكون مِن ورثة ملكوته.     

 

الأب مارون قزّي