محبّة يسوع وحفظ وصاياه

 

 

ماهيّة العلاقة بين الآب والابن

 

تدعونا الكنيسة في الأحد الثالث من زمن العنصرة، للتأمُّل في علاقتنا بيسوع، التي تتجلَّى من خلال حبِّنا له، وحفظنا لوصاياه. ومن هنا، تظهر أهميَّة عمل الرّوح الذي سيرسله الآب باسم يسوع، فهو من سيؤيِّد المؤمن في المسيرة الإيمانيَّة، التي تربطه ارتباطًا جوهريًّا بيسوع، وتمكِّنه من اكتشاف ماهيَّة العلاقة بين الآب والابن. فمن خلال إنجيل هذا الأحد، الذي يأتي في سياق خطاب يسوع الوداعيِّ لتلاميذه، وهو على مشارف إتمام رسالته على الأرض وعودتِه إلى الآب، نجده، يُطمئن تلاميذه، ويوصيهم ألاَّ تضطرب قلوبهم، ولا تفزع، إذ إنَّ الرّوح القدس، سيعلِّمهم جميع الأشياء، ويذكّرهم بجميع ما قاله الربُّ لهم.

 

يُشدِّد الإنجيل على عملَيْن أساسيَّيْن، يجعلان من المؤمن مُقامًا للآب والابن، ألا وهما محبَّة يسوع وحفظ وصاياه: "إذا أحبَّني أحد، حفظ كلامي فأحبَّه أبي ونأتي إليه فنجعل لنا عندَه مُقامًا" (يو 14/ 22). وبين هذين العملَيْن ارتباط وثيق، فمحبَّة يسوع لا يمكنها أن تُختصر ببعض العواطف البشريَّة، لذا على المؤمن أن يخرج من نطاق "محبَّة يسوع" النّظريِّ، فيقوم فعليًّا بما يتناسب مع الشّهادة الصّادقة لتلك المحبَّة؛ هذا ما يُقصَد به حفظ وصايا يسوع. بالمقابل يستحيل على المؤمن أن يحفظ وصايا يسوع ويبقى أمينًا لها، إن لم يكُن محبًّا للربِّ، ومنفتحًا على عمل الرّوح المنتظر. فإن لم يكن الحبُّ حافزًا أساسيًّا للمؤمن، تتحوَّل وصايا الربِّ وتطبيقها إلى وزرٍ ثقيل لا يعود بالسَّلام على حافظها.

 

إنَّ السّلام الذي وعد به يسوع، هو نتيجة طبيعيَّة لسكن الآب والابن من خلال الرّوح في الإنسان، لكنَّه يبقى مشروطًا بمدى تفاعل المؤمن صحيح أنَّ الرّوح القدس يُعلِّم كلَّ الأشياء ويذكِّر المؤمن بجميع ما قاله الربُّ، ولكن لا يمكنه أن يَنوب عن المؤمن في حفظ وصايا الربِّ، كما لا يمكنه أن يلزمه بإتمامها. لحريَّة الإنسان مكانة كبيرة عند الربِّ، فقد وعدنا بسلامه ووعدنا بالخلاص وبالحياة الأبديَّة، وكلُّها هبات مجَّانيَّة من لدنه، كما وعدنا بإرسال روحه القدُّوس ليرشدنا في اتِّباعه، لكنَّه يبقى عاجزًا أمام حريَّة الإنسان في تبنِّي وصاياه وإرادة التّفاعل مع عمل روحه: "مَن تلقَّى وصاياي وحفظها فذاك الذي يحبُّني" (يو 14/ 21)، منتظرًا قراره في اختيار مسيرته وراجيًا عودته في حال ضلَّ الطّريق.

 

نتساءَل مرارًا في أيّامنا هذه عن ماهيَّة سلام المسيح المغاير لسلام العالم. فتجدنا نضعه مرارًا وتكرارًا موضع الشكّ في ظلِّ دوَّامة اليأس والإحباط، الشَّخصيَّة منها والعامَّة، عند كلِّ أزمة نمرُّ بها، فنلقي باللّوم على يسوع ونسأله عن وعده بالسّلام. إنَّ المسيح لم يعدنا البتَّة بإزالة مشاكلنا، بل وعده كان ألاَّ يتركنا أيتامًا، وهذا تحقَّق بحلول الرّوح القدس. فنيل سلام الربِّ مرتبط بعمق علاقة الإنسان الشّخصيَّة مع الرّوح القدس، الذي يبدِّل لدى المؤمن مفهوم الأزمات التي يعيشها، وكيفيَّة التَّعاطي معها دون اضطرابٍ ولا فزع حسب قول المسيح. عندها يصبح سلام يسوع سلامًا داخليًّا في متناول الجميع، يجب البحث عنه في داخل الإنسان، وليس في مكان آخر، أو لدى شخص آخر، إذ إنَّ هذا الدَّاخل يتحوَّل بفعل عمل الرّوح، وإرادة المؤمن من هيكلٍ فانٍ إلى سكن الله غير المتناهي.    

 

الأب طوني عبّود