مع اقتراب ساعة مجده

 

 

مع إقتراب ساعة مجده

 

مع اقتراب ساعة مجده، يحصر يسوع كلامه وعمله بخاصَّته، أي في الذين تبعوه ودخلوا معه في اختبار ومنطق الحبِّ. خطبة يسوع في هذا الفصل وما يليها من تعليم، لا تـُفهم إلاَّ في إطارٍ حميميٍّ يربط المُعلِّم بتلاميذه. فهو يدعوهم إلى الإقتداء به من خلال تبنِّي وصيَّته الجديدة، التي ستتجلَّى من خلال آلامه وموته على الصّليب حبًّا بالإنسان. فالحديث في خطبة الوداع يدور حول أمرَين أساسيَّين: المجد والوصيَّة الجديدة.

 

ما هو المجد الذي يتكلَّم عنه يسوع وكيف يتحقَّق فينا؟

يتمجَّد ابن الله عندما يحبّ إلى الغاية أي عندما يصل فيه الحبُّ إلى أقصى درجاته، عندما يُعطي كلَّ ذاته لأجل أحبَّائه. إذًا تمجيد ابن الإنسان في يوحنَّا يتعلَّق بآلامه وموته وقيامته (يو 7/ 39، 12/ 16 و32). لكنَّ يسوع هو ابن الله منذ الأزل، لذلك هو ممجَّد منذ الأزل لكونه "كان لدى الله والكلمة هو الله" (يو 1/ 1). وهو أيضًا ممجَّد في الآيات التي صنعها (يو 2/ 11 و11/ 40...). إذًا عن أيِّ مجد يتكلَّم يسوع في خطبة الوداع؟ إنَّ المجد المستقبليُّ الذي سيتجلَّى أوَّلاً على الصَّليب من خلال فعل الحبِّ، وثانيًا في التّلاميذ، إذا ثبتوا في الربِّ وثبتت أقواله فيهم وحملوا ثمارًا وصاروا تلاميذًا حقيقيِّين له. مجد الله مرتبط إذًا بالخلاص الذي يمنحه للإنسان، خلاص ينبع من فعل الحبِّ. يتمجَّد الله فينا عندما نعرفه ونقبل حبَّه لنا ونشهد لهذا الحبَّ في حياتنا اليوميَّة، عندها تصبح حياتنا فعل إتِّحادٍ به وشهادة حبٍّ له.

 

الوصيَّة الجديدة

ذهب الربُّ، ولكنَّه بقي في الكنيسة من خلال وصيَّته الجديدة. فأصبح حبّ التّلاميذ بعضهم لبعض علامةً لحضوره الحقيقيِّ في قلب العالم. إنَّها وصيَّة جديدة لأنَّها تُحَمِّلُ فعل الحبِّ أبعادًا جديدة تتخطَّى المعاني الإنسانيَّة المتَّفق عليها بين البشر. فالحبُّ في المفهوم البشريِّ قد لا يتخطَّى العاطفة الإنسانيَّة التي تتقبَّل الآخر، لأنَّها قد تجد فيه ما ينقصها. أمَّا الحبُّ الذي يتكلَّم عنه الربُّ في وصيَّته الجديدة فهو خروجٌ من الذّات نحو الآخر، بل هو بذلٌ للذّات في سبيل الآخر. هذا ما عاشه الربُّ على الصَّليب، إذ أعطى ذاته بكلِّيَّتها، من خلال الحبِّ الذي لا يعرف استثناءات، ولا أعذار، ولا يُفرِّق، ولا يُساوِم. حبٌّ شامل ومسؤول، حبٌّ مقترن بفعل الرَّحمة، حبٌّ يمنح الحياة للآخرين. فعبارة "أحبُّوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم" تعني في الواقع: أنتم الذين صرتم تلاميذي أتيحوا للرُّوح القدس أن يكوِّن فيكم هذا الحبَّ الجديد الذي عشته أنا أمامكم. وإذا ما حييتُ أنا فيكم فسوف أُحبُّ العالم من خلالكم. وصيَّةُ يسوع لنا هي أن ندعه يُحبُّ ويخلِّص العالم من خلالنا.

 

إنَّ مجدَ الربِّ تحقِّق عندما أعطى ذاته للعالم بفعل حبٍّ كاملٍ وشامل، ولكن هناك من صدِّ هذا الحبَّ ورفضه وخانه. ونحن على غرار معلِّمنا، مدعوُّون إلى بذل ذواتنا من أجل الآخرين، لكنَّنا نَعلَم بأنَّ كثيرين قد يرفضون حبَّنا أو يخونونه. هذا الرَّفض يجب ألاَّ يمنعنا من عيش شهادة الحبِّ، لأنَّ المحبَّة كما يقول القدّيس بولس في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس: "تتأنَّى وتَرفُق. لا تَحسُد، ولا تتباهى، ولا تنتفخ، ولا تأتي قباحة، ولا تلتمسُ ما هو لها، ولا تحتَدُّ، ولا تظنُّ السُّوء، ولا تفرحُ بالظُّلْم، بل تفرحُ بالحقِّ، وتحتملُ كلَّ شيء، وتُصَدِّق كلَّ شيءٍ، وترجو كلَّ شيءٍ، وتَصبِرُ على كلِّ شيءٍ. المحبَّةُ لا تَسقُطُ أبدًا. أمَّا النّبوءاتُ فستُبطل، والألسنةُ تَزُول، والعِلْمُ يُبطَل" (1 قور 13/ 4 - 8).  

 

حياتنا اللِّيتورجيَّا - زمن القيامة 2019