هوذا فتاي الذي اخترته

 

 

 

 

"هوذا فتاي الذي اخترته"

 

 في خضمِّ خوض يسوع مع تلاميذه تعاليم عن الإرسال مدعومة بالعجائب والاختبارات، ولو بشكل محدود كتمرُّسٍ، يقع نصُّ الإنجيل هذا. نصٌّ من سفر إشعيا، يخترق هذه التّعاليم، يحوي في طيَّاته اختيار، وحبَّ ورضى الله، وإرسال، وصفات يتمتَّع بها المرسَل. من ناحية أُخرى، يتداخل هذا النصُّ الإنجيليُّ بين حدثين يسطِّران معجزتين قام بهما الربُّ: شفاء حصل يوم السّبت لرجل يده يابسة، وشفاء لمَمسوس أعمى وأخرس. وفي كلا الحدَثَيْن تظهر عدائيَّة الفرّيسيِّين، فأرادوا إهلاكه، متَّهمين إيَّاه أنَّه يتعامل مع الشياطين.

يتصوَّر أمامنا المشهد، بتناقض كبير بين فظاعة "الفكر الفرّيسيِّ" وحِلْم "فتى الله المختار". هذا التّناقض يفتحنا على تناقضات أُخرى، أهمُّها: وداعة وتواضع ورقَّة "فتى الله"، مقابل قوَّة وعظمة المهمَّة الموكلة على كتفه. تناقض آخر أيضًا: تحذير الربِّ للكثيرين الذين شفاهم "ألاَّ يشهِّروه"، بالوقت أنَّه مطلوب منه "تبشير الأُمم". كما يلفت نظرنا تناقضٌ آخر: رغم أنَّ "باسمه تجعل الأُمم رجاءَها" دون أن يستثني أحدًا، هذه الأُمم نفسها هي التي سوف تدينه وتحاول كسره. تناقضات كبيرة، يكمن وراءها صراعٌ رهيب بين الحياة والموت. كيف يمكن لعقلنا الممنهج على المنطق السّليم أن يتقبَّل كلَّ هذه التّناقضات في شخصيَّة المسيح؟ لم تجمع شخصيَّة مثلها هكذا تناقضات، كمًّا ونوعًا، عبر التّاريخ.

 

لنعود ونستوعب الأُمور في أصولها الأولى، لا بدَّ لنا من أن نوجِّه رؤية قلوبنا إلى بداية النّبوءة: "هوذا فتاي الذي اخترته، حبيبي الذي رضيَت به نفسي. سأجعل روحي عليه فيبشِّر الأُمم بالحقّ" (متَّى 12/ 18). تحمل هذه الآية كلَّ التّماسك الدّاخليِّ الذي نحتاجه لجمع التّناقضات والمضادّات الشّكليَّة الخارجيَّة، التي تقع تحت حواسَّنا واختبارنا البشريِّ. هذا التّماسك الذي يتمحور حول نظرة الآب نحو الابن، فيتشكَّل في نوعيَّة العلاقة: علاقة اختيار وحبٍّ ورضى نفس، ويتجسَّد في انسكاب روح الآب على الابن، مطلقًا إيَّاه خارج دائرة الألوهة باتِّجاه البشارة بالحقِّ.

إذن المدخل الحقيقيُّ، لإزالة كلِّ سوء تفاهم فيما يعتبره المنطق البشريُّ تناقضًا، هو تأمُّل حقيقة الإله الواحد والثالوث. هي حقيقة اختيارٍ وحبٍّ ورضى وانسكاب روح، حقيقة أزليَّة تدخل الزّمن تحت صيغة الإرسال (يو 17/ 3). فإذا ما علق في ذهننا أنَّ "إنجاز الله، تمَّ حين أرسل ابنه في جسد يشبه جسد الخطيئة، تكفيرًا للخطيئة، فقضى في الجسد على الخطيئة" (روم 8/ 3)، يمكننا عندها أن ندخل في تناقض سرّ الثّالوث، منسحبًا على تناقض عمله الخلاصيِّ في سرِّ الصّليب، في الضّعف الذي يُنتج قوَّة. كما ينسحب أيضًا على سرِّ الكنيسة التي نحن نعيش زمنها في زمن العنصرة.

الكنيسة التي في هيكليَّتها الهشَّة البشريَّة والزّمنيَّة يستخفي كلُّ سرّ الثالوث والعمل الخلاصيِّ. وينسحب بالتالي على كلِّ مؤمن ينطبق عليه في واقعه الهشِّ هذا العمل الخلاصيّ، على أن يكون قد بدأ "يسلك لا بحسب الإنسان الجسديِّ بل بحسب الرّوح" (روم 8/ 4). فتتحوَّل رغباته من رغبات الجسد التي هي موت إلى رغبات الرّوح التي هي حياة وسلام (روم 8/ 6)، تتطابق مواصفاته مع مواصفات "فتى الله" ويرضى الله عنه (روم 8/ 8) كما رضي على ابنه، لأنَّه لا يعود يراه إلاَّ في ابنه" (روم 8/ 1). تتصالح عندها التّناقضات بين الجسد الميت والرّوح الحياة، فتحيا الأجساد المائتة بالرّوح السّاكن فينا. نصبح أشخاص "مُمَسْحَنين" (نسبة للمسيح) و"مرَوْحَنين" (نسبة للرّوح القدس)، نحمل في أجسادنا المائتة كنز الألوهة. هذه هي رسالتنا للأُمم فينتصر الحقُّ (متَّى 12/ 20)، هذه هي غاية الغايات. لكن يبقى السّؤال: هل حقًّا روح الله ساكن فينا؟! (روم 8/ 9).  

  

الأب جيمي كفوري