عظمة الإنسان لا تتناقض مع عظمة الله

 

 

 

 

عظمة الإنسان لا تتناقض مع عظمة الله

 هناك تصوّر سائد مبنيّ على أنّه كلّما عظّمنا من قدر الإنسان قللّنا من قيمة الله، أي أنّ عظمة الإنسان تكون على حساب عظمة الله، فيدفعنا هذا إلى تحقير الإنسان والتقليل من قدره، في سبيل تمجيد الله، وكأنّ الإنسان منافس لله، فنتخيّل العلاقة بين الإثنين في إطار مواجهة أو صراع بين متلاكمين يتحفـّز كلّ منهما للآخر في الحلبة، إذ يحاول كلّ منهما أن يثبت للآخر أنّه الأقوى من أجل الفوز في النهاية. وكأنّ الله ينظر إلى الإنسان بجبروت وسلطة الإله، في حين يبادله الإنسان نظرة تحدّ وتطاول، محاولَا إغفال وجوده.

سادت هذه الفكرة عن علاقة الله بالإنسان في القرون الأخيرة، لأنّ صورة الله العظيم حقـّرت الإنسان وأنقصت من قيمته، وألقت به في الحضيض، وصار تواضع الإنسان أمام خالقه كتواضع العبد، فمعظم الناس يفهمون التواضع على أنّه تقليل من قيمة الإنسان وإذلاله، في حين أنّ التواضع الحقيقيّ هو الصّدق مع الحقيقة، فنحن من الصِّغر بحيث لا نحتاج لأن نصغّر أنفسنا أكثر ممّا هي عليه، والله لا يريد إنسانًا ذليلاً حقيرًا، بل يفرح بالانسان القائم على قدميه.

 

ممّا يدعو إلى الأسف أنّ بعض أساليب التربية الدينيّة قد تشجّع على ظهور نوع من الخضوع والتبعيّة للسلطة الكنسيّة لدى المؤمنين، وهذا يعوّق النّمو الإنسانيّ والإحساس بالمسؤوليّة والنضج الحقيقيّ فيهم، فنراهم يضحّون برأيهم الشّخصيّ، وهذا يؤدّي إلى خنق روح المُبادرة والانطلاق بداخلهم، فيُسهم هذا المفهوم الخاطىء عن الطاعة والخضوع في محو شخصيّتهم أمام الله والكنيسة.

لكن الكنيسة، من خلال وثائق المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثاني، أكّدت على دور الإنسان - وخاّصة العلمانيّ - وضرورة اجتهاده في كلّ أمور المجتمع والكنيسة، والله أيضًا يريد الإنسان ناضجًا متكاملَا أمامه في شخصيّته  وقدراته وحياته حتّى يتمجّد فيه، وبحسب قول القدّيس إيريناوس في القرن الثالث المسيحيّ: "مجد الله في الإنسان الحيّ".

من الخطأ أن نفهم الطفولة الروحيّة التي يدعونا إليها المسيح "إن لم ترجعوا فتصيروا مثل الأطفال، لا تدخلوا ملكوت السماوات".(متى 18/3) على أنّها دعوة لاستمرار  تصرّفات الصِّغر شرطـًا لدخول الملكوت .

فالرّسول بولس يوضّح لنا المقصود من الآية السّابقة بهذه الكلمات :"لا تكونوا أيّها الإخوة أطفالا في الرأي، بل تشبهوّا بالأطفال  في الشرّ، وكونوا راشدين في الرأي". (ا كور 14:20).

فالإنسان يبدأ طفلاً، وبعد ذلك عليه أن ينضج، أي أن يكتشف شخصيّته، وينمّي قدراته ويكتمل، وهذه النزعة هي حركة تملّك مركزيّة لا بدّ منها (مرحلة المراهقة) حتّى يكتسب من خلالها نظرة جديدة إلى ذاته. هذه المرحلة التي أطلق عليها تسمية "سنّ المرآة"، بمعنى أنّ الإنسان يحتاج فيها إلى أن يتأمّل في ذاته  ويتساءل من أنا؟ هي مرحلة لا بدّ منها. لكن بعدها مرحلة ثالثة، فبعد أن تكتسب كلّ أبعاد  كيانك وتشعر بذاتك، عليك أن تتفوّق على كلّ هذا وتعود إلى طفولتك الأولى، ولكن كونها مرحلة جديدة، وليس استمرارَا للمرحلة الأولى.

 

 

الأب هنري بولاد اليسوعي