مريم نموذج الكنيسة

 

مريم نموذج الكنيسة 

 

 

مريم نموذج الكنيسة

 

وظهرت آية عجيبة في السّماء: "إمرأة تلبس الشمس، والقمر تحت قدميها، على رأسها إكليل من إثنيّ عشر كوكبًا، حُبلى تصرخ من وجع الولادة".

وظهرت في السّماء آية أخرى: "تنّين عظيمٌ أحمر كالنّار له سبعة رؤوس وعشرة قرون، على كلِّ رأسٍ تاج. فجّر بذنبه ثلث نجوم السَّماء وألقاها على الأرض. ووقف التنّين أمام المرأة وهي تتوجّع ليبتلع طفلها حين تلده. فولدت ولدًا ذكرًا وهو الذي سيحكم الأمم كلّها بعصا من حديد، ولكن ولدها أختطف إلى الله وإلى عرشه، وهربت المرأة إلى الصّحراء حيث هيّأ الله لها ملجأ يعولها مدّة ألف يوم ومئتين وستّين يومًا" (رؤ 12: 1 – 6).

 

هذا النصّ المأخوذ من سفر الرؤيا يُدخلنا في سرِّ الآخرة، عالم الإسكاتولوجيا، ولكّنه ينطلق من السرّ الفصحيّ الذي فيه نرافق المسيح في موته وقيامته وصعوده ليكون قرب الله وعلى عرشه. هذا النصّ يُدخلنا في سرّ الكنيسة، إسرائيل الجديد وشعب الله الجديد، ولكّنه يُقدّم لنا أيضًا صورة مريم التي هي صهيون الجديدة ونموذج الكنيسة التي ولدت يسوع بالجسد، وولدت ليسوع إخوة كثيرين يوم كانت عند الصّليب. لقد قرأ التقليد هذا النصّ من سفر الرؤيا وحاول أن يتعرّف إلى هذه الصّورة السرّيّة، صورة المرأة. رأوا فيه سرّ الكنيسة ورأوا فيه سرّ مريم.

 

إطار رؤ 12

كيف بُني سفر الرؤيا؟ إنّ الفصول الثلاثة الأولى مع ظهور إبن الله المجيد لرائي بطمس (الذي هو يوحنّا) والرّسائل السّبع إلى الكنائس، تشكّل مقدّمة الكتاب وتنفصل عن سائر الكتاب.

ويمتدّ القسم الأوّل من فـصل 4 إلى فـصل 11. يستعين بالرؤى النبويّة فيُصوّر مسيرة تاريخ العالم ومواجهة الشّهود الأوّلين مع هذا العالم. يُرينا أوَّلا ً البلاط السماويّ والليتورجيّا التي تتمّ فيه. والكتاب المختوم الذي يتضمّن مقرَّرات الله التي لا تزال خفيّة على الإنسان، هذا الكتاب ستُفضّ ختومه فتنكشف أسرار الله ويتحقّق مخطّطه الخلاصيّ للبشر. وهذا العمل لا يقوم به إلاّ المسيح القائم من الموت والممجّد، الحمل الذي يقف أمام عرش الله. وحلّت الضّربات بالأرض، غير أنّ المُختارين ظلّوا بمنأى عنها وكانوا يحتفلون بانتصار الحمل حول عرش الله. وإنّ صلوات القدّيسين جعلت اليوم العظيم يأتي عاجلاً، والنفخ في الأبواق كان علامة الدينونة الأخيرة (كور 15: 52). وحلّت الكوارث العديدة ولكنّ الكلمة الأخيرة لم تُقل. وستأتي رؤية مسيحيّة تتصوّر مجيء ابن الإنسان للدينونة الأخيرة.

 

ويخصّص القسم الثاني (فصل 12 – 22) للحديث عن مصير الكنيسة: إضطّهاد خلال الزّمن الذي يمتدّ منذ ولادتها على الصّليب إلى الأحداث الإسكاتولوجيّة والإنتصار النهائيّ في أورشليم السَّماويّة. وتصوّر الكنيسة المضطّهدة في رمز صراع بين المرأة والتنّين. وفي النهاية يظهر الحمل مع أخصَّائه. ويخرج منتصرًا من المعركة وتبدأ الدينونة الأخيرة: "حينئذ رأيت سماءً جديدة وأرضًا جديدة... رأيت المدينة المقدّسة، أورشليم الجديدة، نازلةً من السّماء من عند الله " (21: 1 – 2). "عرش الله والحمل يقوم في المدينة فيسجد له عباده... لا ليل هناك... لأنّ الربّ يكون نورهم وهم سيملكون إلى أبد الدّهور" (22: 3 – 5). أوّلا سنفسّر رسم المرأة وابنها الذكر في إطار كنسيّ، ومواجهتها للتنين. ثمّ نبيّن في هذا الإطار العامّ التفسير المريميّ.

 

 

التفسير في إطار كنسيّ

أ – المرأة

المرأة هي رمز إسرائيل، إلى شعب الله الذي ولد المسيح.  يو 4: 22: "الخلاص يأتي من اليهود". أي المخلّص جاء من العالم اليهوديّ. إنّه إبن الشّعب اليهوديّ، إبن المرأة صهيون، والمرأة رمز إلى المدينة. ولكن المرأة صهيون (إبنة صهيون) تصبح في العهد الجديد الكنيسة. وهي ستمرّ عبر عدد من الآلام والاضطّهادات. ولكنّها ستبقى ثابتة وستنتصر في النهاية لأنّها عروس الحمل. ونلاحظ: لا تقف هذه "المرأة " على الأرض .

إنّها صورة سماويّة "تلبس الشّمس والقمر تحت قدميها، على رأسها إكليل من إثنيّ عشر كوكبًا". لتفسير هذه الصّور نعود إلى أش 60: 1 ، 19 – 20: "قومي أضيئي لأنّ نورك قد وافى، ومجد الربّ يكون لك نورًا أبديًا وإلهك يكون جمالك. لا تغرب شمسك من بعد، وقمرك لا ينقص، لأنّ الربّ يكون لك نورًا أبديًّا". وفي نش 6: 10 نقرأ: "مَن هذه المُشرقة كالصُّبح، الجميلة كالقمر، المشعّة كالشّمس، المرهوبة كالجيوش".

القمر يتبدّل، يكبر ويصغر. أنّه يدلّ على التاريخ البشريّ. إذا كان القمر تحت قدم المرأة، فهذا يعني أنّ التاريخ البشريّ كلّه خاضع لها. وبعبارة أخرى، إنّ الكنيسة الأبديّة، جسد المسيح، تشرف على تقلّبات الزمن وتحرّكات التاريخ.

وهناك رمز آخر للقمر. حين يكون بدرًا تكون الطبيعة جميلة في صمت اللّيل. حينئذٍ نحسّ بالهدوء والطمأنينة والسَّلام. ومع ذلك فهذا النّور الذي في القمر ليس خاصًّا به، بل قبله من آخر. كلّ جمال القمر هو إنعكاس لبهاء الشّمس. وهذا ما نقوله عن جمال الكنيسة كما نقوله عن جمال مريم العذراء "الجميلة كالقمر".

في رؤ 12، نور المرأة قد نالته من الله بواسطة المسيح، الذي تسمّيه الليتورجيّا: شمس البرّ، شمس العدل. ويقول يوحنّا في رسالته الأولى (1: 5): "الله نور لا ظلام فيه". إنّه ينبوع كلّ نور (يو 1: 7). وهذا النّور الإلهيّ الذي يشعّ في كلِّ مكان تعكسه أفضل ما تعكسه بنت (إمرأة) صهيون.

وما هو مدلول الإثنيّ عشر كوكبًا التي تتوّج المرأة؟ العدد 12 يدلّ على الملء والكمال. والصّورة تدلّ على ملء شعب إسرائيل الجديد حين يجيء ملكوت الله بصورة نهائيّة. إنّ المرأة المتوّجة بإثنيّ عشر كوكبًا، هي صورة إسرائيل القديم (12 سبطا) وإسرائيل الجديد (12 رسولا) في كماله الإسكاتولوجيّ في نهاية الزّمن. ليست فقط كنيسة التاريخ، إنّها شعب الله المعدّ ليكون مدينة الله.

 

ب – المرأة التي تلد

في (الآية2) نجد صورة المرأة التي تصرخ من وجع الولادة. نحن أمام تعارض بين وضع المرأة في (الآية1) وموقفها الممجّد، ووضعها المؤلم: هي ستضع ولدًا في الأوجاع. إنّ آلام المرأة التي تتمخّض، ترمز إلى آلام إبنة صهيون كأمّ في نهاية الأزمنة. في (ميخا 4: 10) صورة عن إبنة صهيون التي ستصير أمًّا: "تمخّضي وادفعي يا بنت صهيون كالمرأة التي تلد. فأنّك الآن تخرجين من المدينة وتسكنين في الحقول. ستذهبين إلى بابل وهناك تنقذين. هناك يفتديك الربّ من أيديّ أعدائك". وفي (أشعيا 66: 6 – 10) نجد صورة عن الأحداث الإسكاتولوجيّة الكبرى في إطار الولادة: "صوت جلبة في المدينة، صوت يخرج من الهيكل، صوت الربّ الذي يجازي الأعداء: قبل أن تتمخّض ولدت، قبل أن تحسّ بالأوجاع وضعت ذكرًا. من الذي سمع بمثل هذا، ومن الذي رأى مثل هذه؟ أتوضع أرض في يوم واحد، أمّ تولد أمّة في مرّة واحدة؟".

 

في (يو 16: 21): "فالمرأة تحزن وهي تلد، لأنّ ساعتها جاءت. فإذا ولدت تنسى أوجاعها، لفرحها بولادة إنسان في العالم". إنّ إستعمال رمز المرأة التي تلد في سياق العشاء الأخير، وقبل الآلام والقيامة، يقودنا إلى تفسير أوضح لموضوع الولادة. فآلام المرأة التي نقابلها مع حزن التلاميذ، هي علامة عن العالم الجديد الذي تحقـَّـق لهم في الحدث الفصحيّ. إنّ آلام الولادة في (رؤ 12) ترتبط أوّل ما ترتبط بولادة شعب الله الجديد في الألم، عبر الصّليب والقيامة. فالعلاقة متينة جدًا بين سِفر الرؤيا والسِّرّ الفصحيّ.

 

ج- الولد الذكر

ولكن ما هو هذا الولد الذكر الذي وضعته المرأة (الآية 5)؟ إنّه المسيح يسوع. وما يبرهن على ذلك الإستشهاد بالمزمور الثاني الذي يصوّر الدراما المسيحانيّة: "هو الذي يرعى الأمم بعصا من حديد". ولكن أيّ ولادة يعني النصّ؟  ليست هذه الولادة المسيحانيّة تلك التي ترويها أناجيل الطفولة، بل ولادة صباح الفصح والقيامة. فالقيامة تصوّر في العهد الجديد وكأنّها ولادة جديدة. ومثالاً على ذلك: أعلن بولس في أنطاكية بسيدية: "ونحن نبشّركم بأنّ ما وعد به الله أباءنا تمّ لنا، نحن أبناءه، حين أقام يسوع من بين الأموات، كما جاء في المزمور الثاني: أنت إبني وأنا اليوم ولدتك" (أع 13: 32). ويطبّق أيضًا (مز 2: 7 )على قيامة يسوع في (عب: 5). القيامة هي الوقت الذي فيه يستيقظ يسوع لحياة جديدة. فزمن ولادة المسيح الممجّد هو بداية حياته في المجد.

 

إنّ اختطاف الولد "إلى الله وإلى عرشه" يصوّر تمجيد المسيح السماويّ في الصّعود. يتّضح من هذا كلّه أنّ ولادة الذكر في( رؤ 12) تتعلّق جوهريًا بقيامة المسيح وانتصاره النهائيّ على قوى الشرّ. إنّ صاحب سِفر الرؤيا يصوّر الأمّ صهيون التي تلد المسيح في أحداث الفصح، المسيح الذي سينال بهذه الصّورة، السّلطان على كلّ الأمم وعلى كلّ التاريخ.

 

إذا كانت المرأة التي تلد هي المرأة صهيون والشّعب المسيحانيّ، وإذا كان المولود هو المسيح، فكيف نفسّر تفسيرًا جماعيًا للأمّ وتفسيرًا فرديًا لإبنها؟ فالإبن لا يدلّ على المسيح فقط، بل على الشّعب المسيحانيّ. هذا ما نكتشفه في عرس قانا وعند الصّليب: فالمرأة التي يتوجّه إليها يسوع هي في الوقت عينه أمّه (مريم) والمرأة صهيون (الكنيسة). والتلميذ هو في الوقت عينه "التلميذ الذي يحبّه يسوع" وكلّ التلاميذ الذين يمثلهم. وفي (رؤ 12: 5)، الإبن الذي ولدته إمرأة هو يسوع الأرض الذي قام ومُجّد، والمؤمنين الذين يشاركون قائدهم في سلطانه كما تقول الرّسائل في الكنائس. وهذا ما نفهمه من النصّ: إنّ الزّمن الذي فيه يُغلب الشيطان بقدرة الله، لن يكون فقط زمن سلطة المسيح (رؤ 13: 10)، بل زمن إنتصار الإخوة أيضًا: "غالبون بدم الحمل وبشهادتهم له" (رؤ 12: 11).  وسيسمّون في (رؤ12: 17): "باقي نسلها". كلّ هؤلاء هم أبناء المرأة. إذًا، ليست ولادة الولد الذكر ولادة المسيح وحسب، بل ولادة أعضائه الذين ولدتهم الكنيسة.

 

د- هرب المرأة الى البريّة

هرب المرأة إلى البريّة، إلى الصّحراء (رؤ 6، 13، 17). موضوع البريّة مُهمّ جدًا في التوراة وهو يرتبط بإقامة الشّعب أربعين سنة وبالأحداث التي عاشها الشّعب هناك. في البريّة عقد الله عهدًا مع شعبه قرب جبل سيناء. ولكن زمن البريّة كان أيضًا زمن الخيانة والمحنة، كما كان الزّمن الذي فيه قاد الله شعبه وسار أمامه في عمود من نار.

إذن، البريّة هي الموضوع الذي فيه إعتزل إسرائيل، فحماه الله حماية خاصّة وقاده في مسيرته. وما عاشه الشّعب على أيّام موسى، سيعيشه إيليّا النبيّ (1 مل 19: 4 – 16): هرب من وجه أعدائه ودخل في الصَّحراء حتى وصل إلى حوريب. وهنا تقبّل رسالته. البريّة هي موضع يحامي الله فيه عنّا ويدرأ الأخطار وهي الموضوع المميّز للّقاء مع الله.

 

والمرأة في رؤ 12 هي الكنيسة. هربت من محنها واضطّهاداتها إلى البريّة، وظلّت هناك 1260 يومًا أي 3 سنوات ونصف السنة. يدلّ هذا الزّمن الرمزيّ، الذي سيكون محدودًا (هو نصف سبعة رمز الملء والكمال) على المرحلة التي فيها ستشهد الكنيسة لربّها وستمرّ في المحبّة، ولكن الله يحميها. إنّ الكنيسة التي هي شعب  الله، تفلت من قبضة الشرّ وتعيش بعناية ربّها وإلهها.

 

ه- التنّين

كيف بدا التنّين؟ "تنيّن عظيم أحمر كالنّار، له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى كلّ رأس تاج. فجرّ بذنبه ثلث نجوم السّماء وألقاها إلى الأرض" (رؤ 12: 3 – 4).

اللّون الأحمر هو علامة للدمّ. والنّار تدلّ على الدّمار. هذا رمز إلى الطابع الدمويّ والخطير لهذا الوحش المخيف. هذا رمز إلى العذابات والأهوال التي ينشرها في العالم. الرؤوس السبعة تدلّ على أنّه وحش هائل يستطيع أن يؤذي الناس من كلّ جهة. والقرون العشرة تدلّ على السّلطان العظيم الذي يهدّد البشريّة. التاج هو رمز القوّة الملكيّة. توصّل الوحش إلى الإلتحاق بمظاهر المجد والبهاء، فسحر الناس بقوّته. إنّ قوى الشرّ وقوى العالم تظهر من خلال السّلطة والكرامة البشريّة. بهذه الطريقة يبدو التنّين "خادع الدنيا كلّها". وذنَب التنّين يكنس ثلث كواكب السّماء. هو لا يكتفي بأن يهاجم الأرض. فيهاجم السّماء كما فعل الذين حاولوا أن يبنوا بابل. قالوا: "تعالوا نبني برجًا تصل قمّته إلى السّماء" (تك 11: 9).

 

وهاجم التنّين المرأة. هذه صورة عن صراع الشّيطان ضدّ "المرأة صهيون"، شعب الله، الكنيسة. صراع يبدأ منذ بداية التاريخ البشريّ. هذه صورة صراع دائم بين قِوى الشرّ مع كلّ نسل المرأة، مع البشر، وخاصّة مع شعب الله الذي هو الكنيسة. وأخيرًا إنّ (الآيات 7 – 12) تصوّر إنتصار ميخائيل وملائكته على التنّين. ولكن القتال سيطول وسيمتدّ إمتداد التاريخ البشريّ حتى الإنتصار الأخير والنهائيّ، إلى أن تعطى "العزة والملك لإلهنا والسّلطان لمسيحه" (الآية 10).

 

التفسير المريميّ

مريم أمّ يسوع هي في التقليد اليوحنّاويّ التحقيق الشخصيّ والملموس للكنيسة. المرأة التي يتحدّث عنها سِفر الرّؤيا تتألّم ألم المخاض. أمّا ولادة يسوع في بيت لحم فهي ولادة مقدّسة لم تعرف الألم. ولكنّنا لسنا هنا أمام سرّ التجسّد، بل أمام قيامة المسيح وولادة الكنيسة. إذا أردنا أن نفهم (رؤ 12) في إطار مريميّ فنحن نحتاج إلى كلّ العهد الجديد. فمريم هي شخص واقعيّ وهي تحتلّ مكانة خاصّة في السرّ الخلاصيّ الذي أعلنه كاروز الإنجيل للكنيسة الفتيّة. يجب أن نأخذ بعين الإعتبار واقعين اثنين:

الأوّل، إنّ الخلفيّة الأساسيّة لسرّ مريم في العهد الجديد هي صورة أنثوية من العهد القديم، صورة إبنة صهيون.

الثاني، حين يتحدّث يوحنّا عن مريم أمّ يسوع فهو يسمِّيها المرأة.

 

نقرأ في يو 2: 4: "ما لي ولكِ يا امرأة؟" وفي 19: 26: "يا امرأة، هذا ابنك". قراءة (رؤ 12 ) على ضوء خلفيّة العهد القديم وتسمية يوحنّا لمريم. فبعد هرب المرأة الى البريّة (رؤ 12: 14) تقول (الآية17): "فغضب التنّين على المرأة وذهب يقاتل باقي نسلها الذين يطيعون أوامر الله ويحفظون شهادة يسوع". إنّ هذه الآية لا تذكر ابن المرأة، أي المسيح، بل سائر أبنائها في المسيح. فللمرأة أبناء آخرون غير الولد الذكر الذي ولدته.

 

ها ما يجعلنا قريبين من مشهد مريم قرب الصّليب. هناك صارت أمّ يسوع، على المستوى الروحيّ، أمّ التلميذ، أمّ كلّ التلاميذ. صارت بهذه الأمومة الروحيّة أمّ الكنيسة التي هي صورتها. هنا يقول القدّيس أمبروسيوس: "يا ليت المسيح يقول لكلِّ واحد منكم من أعلى صليبه: هذه هي أمّك. يا ليت المسيح يقول أيضًا للكنيسة: هذا هو ابنك. حينئذ تبدأون بأن تكونوا أبناء الكنيسة حين ترون المسيح منتصرًا على الصَّليب". إذن المرأة على الصَّليب عند أمبروسيوس نموذج الكنيسة وأمّ الكنيسة. أمّا التلميذ الذي ينظر إلى جنب يسوع المطعون، ويقوده نظر مريم، فهو يتحوّل إلى إنسان جديد، يصير إبن مريم وإبن الكنيسة، يصير مسيحيًّا. نحن كلّنا مدعوّون إلى حالة البنوّة هذه على مثال بنوّة يسوع. هنا عند الصَّليب يولد شعب جديد، تولد الكنيسة التي تبدو مريم صورتها وأمّها.

 

إنّ لصورة مريم في (رؤ 12) مدلولاً كنسيًّا ومريميًا معًا، ولكن من خلال أمومة المرأة وفي علاقتها مع أبنائها. إنّها أمّ الولد الذكر الذي ولدته. وهي أيضًا أمّ سائر نسله الذين هم مؤمنون: عبر المحن والاضطهادات يحفطون وصايا الله ويشهدون ليسوع. ولكنّ كلمة مريم في الإنجيل تقول لنا: "إفعلوا كلّ ما يأمركم به" (يو 2: 5).

نحن هنا في إطار الأعراس المسيحانيّة في قانا، أمام الطّاعة ليسوع، أمام الأمانة المعقودة بين الله وشعبه، أمام الانفتاح على مبادرة الله والاستعداد لتقبّل عمله الخلاصيّ. نحن أمام الإيمان العميق الذي هو باب الدّخول إلى وضعنا كأبناء.

وسمته الأساسيّة: هذا هو نسل المرأة، هؤلاء هم إخوة يسوع. يحفطون وصاياه لأنّهم يحبّونه، يحملون كلامه فتكون حياتهم إمتدادًا لحياته، وشهادتهم إمتدادًا لشهادة يسوع. وكما كانت مريم مع الرّسل تنتظر عمل الرّوح في الكنيسة (أع 1: 14)، فهي باقية معنا صورة كاملة عن الكنيسة التي تحاول أن تحمل شهادة يسوع إلى أقاصي الأرض.

 

الخوري بولس الفغالي